فخر الدين الرازي

90

تفسير الرازي

* ( أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * . اعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه ليس المراد بقوله : * ( فتعالى الله عما يشركون ) * ما ذكره من قصة إبليس إذ لو كان المراد ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكلية ، وكان ذلك غاية الفساد في النظم والترتيب ، بل المراد ما ذكرناه في سائر الأجوبة من أن المقصود من الآية السابقة الرد على عبدة الأوثان . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المقصود من هذه الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقوله : * ( أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ) * معناه أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئاً ؟ وهم يخلقون . أي وهم مخلوقون يعني الأصنام . فإن قيل : كيف وحد * ( يخلق ) * ثم جمع فقال : * ( وهم يخلقون ) * وأيضاً فكيف ذكر الواو والنون في جمع غير الناس ؟ والجواب عن الأول : أن لفظ * ( ما ) * تقع على الواحد والاثنين والجمع ، فهذه من صيغ الوحدان يحسب ظاهر لفظها . ومحتملة للجمع فالله تعالى اعتبر الجهتين فوحد قوله : * ( يخلق ) * رعاية لحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله : * ( وهم يخلقون ) * رعابة لجانب المعنى . والجواب عن الثاني : وهو أن الجمع بالواو والنون في غير من يعقل كيف يجوز ؟ فنقول : لما اعتقد عابدوها أنها تعقل وتميز فورد هذا اللفظ بناء على ما يعتقدونه ويتصورونه ، ونظيره قوله تعالى : * ( وكل في فلك يسبحون ) * ( الأنبياء : 33 ) وقوله : * ( والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) * ( يوسف : 4 ) وقوله : * ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) * ( النمل : 18 ) .